نخبة من الأكاديميين

309

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وتمتد المرحلة الأولى من نهاية القرن الثامن عشر م وحتى 1839 م وتسمى " عصر إصلاحات ما قبل التنظيمات " ، أما الثانية المعروفة " بعصر التنظيمات " فتمتد حتى 1878 م ، وشهدت صدور ثلاث وثائق إصلاحية هي : خط كلخانة 1839 م ، وخط همايون 1856 م والدستور العثماني الأول 1876 م « 1 » ، أما المرحلة الثالثة المعروفة بمرحلة " تركيا الفتاة " فهي تمتد حتى إلغاء الخلافة وإعلان جمهورية تركيا . ودون الدخول في التفاصيل يمكن الاقتصار على الملاحظتين التاليتين : الملاحظة الأولى هي أن هناك ارتباطًا بين تطور الإصلاحات وتطور النظام العثماني برمّته ، فإذا كانت المرحلة الأولى من الإصلاحات تعد مرحلة تمهيدية اقتصر فيها النقل عن الغرب على نقل أساليب فنية ، خاصة في المجال العسكري ، فإن مرحلة التنظيمات التي شهدت تغييرات مؤسسية ومجتمعية وتيارًا من الأفكار الجديدة تعد بمثابة مرحلة انتقالية بين نظام قديم ونظام جديد ؛ بحيث إن المرحلة الثالثة وخاصة منذ 1908 م ( أي بعد انتهاء حكم السلطان عبد الحميد الثاني وعودة الدستور ) جاءت كإعلان عن مولد نظام جديد تمامًا تأكدت أركانه بإعلان الجمهورية التركية وإلغاء الخلافة . وهكذا كان من أهم سمات التطور الإصلاحي : القضاء على الإنكشارية وتكوين جيش محترف منظم منفصل العلاقة عن العلماء ، وكان تطوير هذا الجيش يمثل قوة دفع لتطوير عدد من المؤسسات المالية والصناعية ، كذلك تم إخراج التعليم من تحت رقابة العلماء وظهرت ازدواجية مؤسساته ما بين تعليم مدني بمراحله المختلفة وحتى الجامعة وبين تعليم ديني ، وازدواجية المحاكم والقوانين التجارية والجنائية والخاصة ما بين قوانين مدنية وأخرى شرعية إسلامية أو مختلطة ؛ حيث لم تعد الشريعة فقط هي مصدر القوانين ؛ إذ ظهرت مصادر أخرى للقوانين تحتذي النمط الأوروبي ؛ أي تستند على مبدأ الإقليم وليس الشخصية ، وبدأ تنظيم الوزارات على أسس أوروبية ، وتم الفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية . وفي نفس الوقت الذي كانت تتبلور فيه هذه الإصلاحات الداخلية كانت تتبلور أيضًا المرحلة الأخيرة من تطور العلاقات الدبلوماسية العثمانية مع الدول الأوروبية بعيدًا عن الدبلوماسية المنفردة ، واستكمالًا لحلقات الدبلوماسية التبادلية الكاملة على النمط الأوروبي ، ومن ثم الاندماج الكامل للدبلوماسية العثمانية في ظل نظام الدول الأوروبية منذ منتصف القرن التاسع عشر م كما أشرنا آنفًا . الملاحظة الثانية : وهي أن السياسات الإصلاحية تضمنت مستويين من الإجراءات : أولهما - لتطوير عناصر قوة المركز العثماني وأدوات سياساته العسكرية والدبلوماسية والسياسية والمجتمعية ، وثانيهما - للحفاظ على تكامل أجزاء الإمبراطورية من خلال إعادة تنظيم الإدارات المحلية في الولايات وزيادة استقلال سلطاتها العسكرية والمالية والقضائية ، ومن خلال إصلاح أوضاع الرعايا من غير المسلمين الذين هددت ثوراتهم ( في البلقان بصفة خاصة ثم من المسلمين في الولايات العربية ) هذا التكاملَ . وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذين المستويين مرتبطان ومتداخلان بقوة ، فالخيط الأساسي والمشترك الكامن وراء المراحل الثلاث من تطور الإصلاحات العثمانية هو وضع الأقوام والملل المختلفة ؛ ووضع

--> ( 1 ) أنظر النص الكامل لهذه الوثائق الثلاث في : - محمد فريد : مرجع سابق ، ص ص 481 - 489 ، 590 - 593 .